الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

259

انوار الأصول

عبد الله بن عمر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بنفس التعبير . وأمّا الرّواية الثانيّة فقد رواها الكليني رحمه الله عن سهل عن بكر بن صالح رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة فمن كان له في الجاهلية أصل فله في الإسلام أصل » . « 1 » كما أنّها رويت أيضاً من طريق العامّة « 2 » عن أبي هريرة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بتقديم الفضّة على الذهب . وكيف كان يمكن تفسير مجموع الحديثين بوجهين : الوجه الأوّل : حمل قوله صلى الله عليه وآله « السعيد سعيد في بطن امّه والشقي شقي في بطن امّه » على علم الباري تعالى بأنّه سيكون كذلك كما فسّره المعصوم عليه السلام بذلك في رواية أخرى رواها ابن أبي عمير قال : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن معنى قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « الشقي من شقى في بطن امّه والسعيد من سعد في بطن امّه » فقال : « الشقي من علم اللَّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء ، والسعيد من علم اللَّه وهو في بطن امّه أنّه سيعمل أعمال السعداء . . . الحديث » « 3 » ، فلا إشكال في أنّ الحديث بهذا المعنى يخرج عن ظاهره ولا ينافي اختيار الإنسان في أعماله كما لا يخفى . الوجه الثاني : ما ينطبق على كلا الحديثين وهو الحمل على اختلاف الاستعدادات والمقتضيات الذاتيّة للأفراد ، والروايتان كلتاهما تعبّران عن أنّ الناس يختلفون من ناحية الاستعداد الذاتي للطاعة أو العصيان ، فبعضهم قريب إلى الطاعة في ذاته وبعض آخر قريب إلى المعصية كذلك ، لكن لا على حدّ الإلزام والعلّة التامّة بل على حدّ الاقتضاء ، نظير ما نشاهده من اختلاف الأفراد في استعدادهم للصيام مثلًا فبعضهم يجد في نفسه استعداداً للصوم أكثر من الآخر ، إلّا أنّ هذا لا يعنى أنّه مجبور على الصّيام وأنّ الآخر مجبور على تركه ، وهكذا في الأمور العارضة على الذات كالتفاوت الجغرافي واختلاف المناطق في الحرارة الجويّة في المناطق الحارّة أو الباردة أو لجهة شغلية كالتفاوت الموجود بين الخبّاز والبقّال بالنسبة إلى

--> ( 1 ) الروضة من الكافي : ص 177 ، ح 197 . ( 2 ) مسند أحمد بن حنبل : ج 2 ص 539 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 157 .